القرطبي
427
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ( 1 ) * قال نعم أعرفه وأبلسا أي تحير لهول ما رأى ، ومن ذلك اشتق اسم إبليس ، أبلس الرجل سكت ، وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة ، ضبعت الناقة تضبع ضبعة وضبعا إذا أرادت الفحل . قوله تعالى : ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) الدابر الآخر ، يقال : دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجئ . وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود ( من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا ) ( 2 ) أي في آخر الوقت ، والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم فلم تبق لهم باقية . قال قطرب : يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا . قال أمية بن أبي الصلت : فأهلكوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور . ( والحمد لله رب العالمين ) قيل : على إهلاكهم وقيل : تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه . وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم ، لما يعقب من قطع الدابر ، إلى العذاب الدائم ، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد . قوله تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ( 46 ) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ( 47 ) قوله تعالى : ( قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ) . أي أذهب وانتزع . ووحد " سمعكم " لأنه مصدر يدل على الجمع . ( وختم ) أي طبع . وقد تقدم في " البقرة " ( 3 ) .
--> ( 1 ) المكرس : الذي صار فيه الكرس والكرس ( بالكسر ) : أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار والدمن . وأبلس : سكت غما . ( 2 ) دبريا : يروي ( بفتح الباء وسكونها ) وهو منسوب إلى الدبر آخر الشئ وفتح الباء من تغيرات النسب . ( ابن الأثير ) . ( 3 ) راجع ج 1 ص 185 .